الشيخ محمد حسين الحائري
349
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
ومحصله أن الجهل أعم من البسيط والمركب فإذا حكم الحاكم بالإباحة لدليلها أو بالحظر لدليله ثم انكشف الخلاف تبين أن ذلك كان حكمه من حيث خطائه وجهالته بالحكم وح فلا منافاة بين العلم بالحكم وبين كون الموضوع مجهول الحكم وأما ما أجاب به عنه فليس على ما ينبغي بل التحقيق في الجواب أن القاطع بثبوت حكم في حقه إنما يقطع حال قطعه بثبوته في حقه من حيث إنه مصيب بقطعه الواقع لا من حيث إنه مخطئ به في إصابته وإن حكمه حال خطائه ذلك نعم إذا انكشف له الخلاف تبين عنده أن ذلك كان حكمه من حيث خطائه في إصابة الواقع لا من حيث إصابته له وظاهر أن الكلام في المقام إنما هو بالنسبة إلى حال القطع لا بالنسبة إلى حال انكشاف الخلاف فيبقى إشكال التدافع بين فرض العنوان مجهول الحكم مع قضاء الدليل بالعلم بالحكم بحاله وأما ما ذكره أخيرا من أن العقل يحكم فيما يجهل حكمه بعدم الوجوب دون الإباحة فغير سديد لان العقل كما يحكم فيه بعدم الوجوب كذلك يحكم بعدم الاستحباب والحرمة والكراهة فيتعين أن يحكم بالرخصة في الفعل والترك ما لم يقم دليل على خلافه لان انحصار الاحكام في الخمسة يعد من الضروريات وقضية القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع كما يقول هو وغيره به حكم الشرع أيضا بالرخصة فيهما ما لم يقم دليل على خلافه وهو معنى الإباحة الظاهرية هذا وأجاب التفتازاني عن الاشكال المذكور بأن النزاع في الفعل الذي لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلا ولا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلي في فعل فعل فهل يحكم فيها على الاجمال بحرمته أو يحكم بإباحته أو لا وأورد عليه المحشي الشيرازي بأنه إذا علم العقل الحكم على الاجمال في أكل الفاكهة مطلقا علم الحكم المخصوص بكل فعل كأكل فاكهة الرمان بضم الصغرى الواضحة الثبوت إلى ذلك الحكم الكلي الاجمالي الحاصل من دليلهم ثم قال اللهم إلا أن يقال المراد الحكم الضروري وفيه تعسف يعني أن حمل الحكم المنفي إدراكه على الحكم الضروري يدفع الاشكال لان اعتبار ضم الصغرى يخرجه عن كونه ضروريا وكأنه أراد بوجه التعسف ما سيأتي ونقل بعض المعاصرين عن الشارح الجواد أنه أورد الاشكال المذكور على ما اختاره من القول بالإباحة ثم أجاب عنه بوجهين الأول أن المراد أن ما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه بالنظر إلى خصوصياتها هل يحكم حكما عاما بالحسن بالنسبة إلى الجميع أو لا الثاني أن المراد أن ما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه ابتدأ أو مجردا عن ملاحظة شئ آخر فهل يحكم عليه بالحسن حكما عاما بالنظر إلى الدليل أو لا وعلى التقديرين لا يكون الحكم المذكور مخالفا لما اعتبر في العنوان قال بعد نقل الوجهين عنه والغفلة التي حصلت له أولا هو الذي أورد عليه هذا الاشكال يريد أنه لما قسم الفعل إلى ما يستقل العقل بإدراك حكمه وإلى ما لا يستقل به وحرر النزاع في القسم الثاني وقع في الاشكال المذكور ولو أنه حرر النزاع في الأشياء الغير الضرورية في التعيش المشتملة على المنفعة كشم الورد وأكل الفاكهة من غير اعتبار لكونها مما لا يستقل العقل بإدراك حكمه كما فعله هو أعني المعاصر المذكور سلم عن الاشكال فإن من يحكم فيها بالإباحة أو الحظر يجعلها من القسم الأول ومن يقول بأنه لا حكم فيها يجعلها من القسم الثاني وفيه ما لا يخفى لان تحرير الشارح الجواد لمحل البحث فيما لا يستقل العقل بإدراك حكمه موافق للتحرير المعروف في كتب القوم كما لا يخفى على من راجعها وحينئذ فلا بد إما من بيان يندفع به الاشكال والتزام بمقالة الحاجبي ولا يجدي تغيير العنوان وتحرير النزاع في الأشياء الغير الضرورية المشتملة على المنفعة لأنه لا ينطبق عليها أقوالهم فيها إلا بعد أخذها مجهولة الحكم ومعه يعود الاشكال مع أن الأشياء الغير الضرورية المشتملة على المنفعة قد يحكم العقل عندهم فيها بالوجوب كالعدل وقد يحكم بالتحريم كالظلم فلا يستقيم جعلها عنوانا لمحل النزاع على إطلاقها كما فعله ثم إنه تصدى لدفع الجوابين اللذين ذكرهما الشارح الجواد فأورد على الوجه الأول بإمكان أن يقال في شم الورد منفعة مأذون فيها وكل ما هو كذلك فهو حسن فقد علم حسنه بالخصوص وعلى الثاني بعدم انحصار مدركات العقل في الضروريات هذا محصل كلامه أقول وأنت خبير بأن مرجع الجواب الأول إلى ما أجاب به التفتازاني ومرجع الجواب الثاني والاعتراضين إلى ما ذكر المدقق الشيرازي إلا أنه أشار إلى الاعتراض الثاني بقوله وفيه تعسف ونبه بعض الناظرين في كلامه بما ذكره المعاصر المذكور تم أقول وما أورد على الجواب الأول إنما يستقيم إذا أراد المجيب أن المراد أن ما لا يدرك العقل حكمه تفصيلا لا بدليل خاص ولا بدليل عام هل يدرك حكمه بدليل عام أو لا وهذا متضح الفساد لأنه حينئذ إن التزم بما أورده المورد عليه من انحلال ذلك إلى معرفة حكم الخاص باعتبار دليل عام عاد عليه الاشكال لان ما لا يدرك العقل حكمه ولو باعتبار دليل عام كيف يدرك حكمه باعتبار دليل عام وإن لم يلتزم بالانحلال فهو مع كونه غير معقول في نفسه خارج عن محل البحث لان كلامهم هنا في معرفة الحكم الذي ينحل إلى التفصيل إذ المقصود الحكم بحلية أكل الفواكه مثلا أو حرمته وهذا لا يعقل بدون الانحلال لا يقال اللازم من الحكم على العام إنما هو الحكم على الحصة الموجودة منه في الخاص على أن تكون تلك الحصة موردا للحكم دون الحكم على الخاص على أن يكون الخاص موردا له بسبب وجود العام في ضمنه فيمكن رفع المنافاة حينئذ على التقدير الأول بأن المعنى كل شئ لا يدرك العقل حكمه و لو باعتبار أمر كلي على أن يكون ذلك الشئ موردا للعلم هل يدرك حكمه باعتبار أمر كلي على أن يكون ذلك الكلي موردا للحكم أو لا فيندفع إيراد المورد عن الجواب لأنا نقول هذا التنزيل مع قصور كلام المجيب عن إفادته